أنا والعنكبوت

عندما بدأت الحياة في البيت الريفي في ضواحي اسكتلندا الجميلة، بدأت أتأمل أشياء في الطبيعة ما كنت أراها على هذا الوجه من قبل، والمخلوق الأكثر حضورًا وهيمنة على أجوائي اليومية كان هو العنكبوت!
وياللدهشة فلم يكن الأمر متوقّفًا علي فحسب، فطفلي ذو العامين كان ينظر له بدهشة وذهول وخوف في بعض الأحيان.
كنت أدهش من هذا العنكبوت وكثرة وجوده في المنزل، جعلتني أشعر بالبرد والوحشة في بادئ الأمر فبدأت أقرأ عن أفضل الوسائل للتخلّص منه بطريقة غير ضارة، قوابس كهربائية تبعث ذبذبات سرية تطلب منه المغادرة بلطف، وخليط من الماء وزيت النعناع أرشّه أنا وطفلي في رحلة استكشافية يومية في زوايا المنزل الخفية.
وبالطبع فللعنكبوت مكانتين من التناقض في نفسي، فمن الناحية الدينية أذكر سورة العنكبوت والحكمة في قصّة الغار.
ومن الناحية الاجتماعية بيت فيه عنكبوت هو بيت قذر مهمل أو مهجور! وبدأت أتذكر كيف يغنون للأطفال في الغرب أغنية عن العنكبوت في المطر. ولم أكن أفهم كيف! كيف يغني الأطفال للعنكبوت ديبسي!
ومع عشرتي مع العنكبوت الاسكتلندي بدأت أفهم شيئًا فشيئا كم هو مميّز هذا العنكبوت ابن العنكبوت! في غضون أسبوعين متتتاليين حظينا بطقس صيفي رائع! لا أكاد أصدّق أنني بدأت أصف المطر بشيء من التثاقل أنا ابنة الصحراء! عجبًا كيف يتغيّر المرء!

المهم أنني كنت ألعب مع ابني يوميّا كالمهجونة في حديقة المنزل على الزحليقة وفي كلّ مرّة كنت أزيل بيت العنكبوت -بشيء من الأسف حتى لا يعلق في وجه ابني وهو ينزلق على الزحليقة.
وفي كلّ يوم أجد نفس البيت مبنيّا بشكل كامل بنسق عجيب! وأكاد أقسم أنه لنفس العنكبوت ابن العنكبوت! كل يوم كل يوم لمدّة أسبوعين على الأقل! واو مقاتل هذا العنكبوت!
ثمّ جاء أسبوع عاصف ماطر، وكان عنكبوت أخر قد بنى بيته على زاوية شبّاك المطبخ من الخارج، كنت أراقب شبكة العنكبوت في ذهول فلم تتهالك شباك العنكبوت أمام الرياح والأمطار العاتية!

وأذكر أنني قلت لزوجي، ترى ما عساه أن يكون المقصود بقوله تعالى: وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت؟ صحيح أنّ بيت العنكبوت من السهل إزالته بعود خشبي صغير، لكنّ هذا الصمود وتلك المرونة مع الريح، وهذه الهندسة الإبداعية والإصرار اللامتناهي في إعادة البناء، كيف عساه أن يكون أوهن البيوت؟ ولو كانوا يعلمون؟
وبعد بعض القراءات فهمت أن الأغلب أن معنى البيت هو ليس المسكن وإنّما علاقة أفراد العائلة في بيت العنكبوت، فالأم تقتل الأب والأبناء يقتلون الأم وكله يأكل بعضه!
http://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/75-issue-XVII/746-(Although-flimsiest-of-houses-cobweb-if-they-knew-)

في نهاية المطاف لا أستطيع أن أكرهك أيها العنكبوت ولا أستطيع أبدًا ومهما طال الزمن فيك يا اسكتلندا أن أستضيف عناكبك في بيتي الريفي الجميل!

أنا اللي سرقت الملوخية

طبيعي جدّا أن يكون رضا الوالدين نوع من الموروث الثقافي المحمّل في أذهاننا، ولا شكّ أن له وقع قوي في نفوسنا، يتعمّق ويتأصّل إذا ما منحنا فرصة أن نكون أباءً أو أمّهات لأطفال في المستقبل.
الأمر الذي لا أفهمه أحيانًا هو مفهوم البر والطاعة، وتضاربهما مع باقي الآوامر والنواهي، وتعارضهما مع حقوق الآخرين، إلى حد الوقوع بالإثم.

وكأن الإثم الأوحد هو عقوق الوالدين، لكن يا ترى ما هو المقصود بعقوق الوالدين؟ أصبحت أسأل نفسي هذا السؤال مؤخّرًا بعد أن سرقت الملوخية، نعم سرقت الملوخية التي نقّبتها أمّي ثمّ غسلتها ثمّ نشّفتها من الماء بفردها على طاولة المطبخ لساعات تقلّبها ذات اليمين وذات الشمال، وأبي باسط ذراعية بالوسيط يتجادل سياسيًا على تويتر، ثمّ قطّعتها وفرمتها ووضعتها في أكياس بلاستيكية وخزّنتها بشكل منمّق في الفريز ذي الجوارير الجميلة.
وفي ليلة ليلاء كان لون القمر فيها أحمر، بين المخيف والمهيب والجميل، سرقت الملوخية، ولم يلحق أبي أن يمسك بي، فعندما اشتعل سبابًا وغضبًا لأنني لملمت أشياء ليست لي وليست من حقي، لأنها كانت لأمي، وهي الآن من حقّه شرعًا بالتراضي، ثمّ أخذتها وهربت، هربت وهربت وهربت وهربت، ومازالت خيوط الملوخية اللزجة تلاحقني حتى كوكب غرينيتش.
العجيب في الأمر هو أنني لم آخذ الملوخية معي هنا، لأنني خفت أن أتّهم بتهريب مواد مجمّدة، فاشتريت ملوخية ناشفة مخزّنة بطريقة عصرية في صندوق جميل مكتوب عليه معلومات الملوخية بالإنجليزية، والآن أدركت أنني ارتكبت خطيئة العقوق عندما اتصل أبي في العيد بإخوتي ولم يتصل بي على الرغم أن عيد ميلادي وقع في أول أيّام عيد الأضحى، وياللغرابة، فعندما عايدته- بالرغم من كل شيء- لم يتحدّث عن الملوخية، وإنما عن البرتقال، الشركة الرعناء التي تزوّده بخدمة الهاتف والتي على ما يبدو لا تعمل جيدًا. يا ترى مالذي أزعجه إلى هذا الحد؟ أنني أخذت الملوخية وأخواتها المخزنات في الفريزر ذي الجوارير الجميلة؟ أم لأنني لم أتركها له ليجرب مذاقها من يدي عروسه التي تصغره ب35 عامًا ولم يمض على وفاة أمي بضعة أشهر؟