أنا اللي سرقت الملوخية

طبيعي جدّا أن يكون رضا الوالدين نوع من الموروث الثقافي المحمّل في أذهاننا، ولا شكّ أن له وقع قوي في نفوسنا، يتعمّق ويتأصّل إذا ما منحنا فرصة أن نكون أباءً أو أمّهات لأطفال في المستقبل.
الأمر الذي لا أفهمه أحيانًا هو مفهوم البر والطاعة، وتضاربهما مع باقي الآوامر والنواهي، وتعارضهما مع حقوق الآخرين، إلى حد الوقوع بالإثم.

وكأن الإثم الأوحد هو عقوق الوالدين، لكن يا ترى ما هو المقصود بعقوق الوالدين؟ أصبحت أسأل نفسي هذا السؤال مؤخّرًا بعد أن سرقت الملوخية، نعم سرقت الملوخية التي نقّبتها أمّي ثمّ غسلتها ثمّ نشّفتها من الماء بفردها على طاولة المطبخ لساعات تقلّبها ذات اليمين وذات الشمال، وأبي باسط ذراعية بالوسيط يتجادل سياسيًا على تويتر، ثمّ قطّعتها وفرمتها ووضعتها في أكياس بلاستيكية وخزّنتها بشكل منمّق في الفريز ذي الجوارير الجميلة.
وفي ليلة ليلاء كان لون القمر فيها أحمر، بين المخيف والمهيب والجميل، سرقت الملوخية، ولم يلحق أبي أن يمسك بي، فعندما اشتعل سبابًا وغضبًا لأنني لملمت أشياء ليست لي وليست من حقي، لأنها كانت لأمي، وهي الآن من حقّه شرعًا بالتراضي، ثمّ أخذتها وهربت، هربت وهربت وهربت وهربت، ومازالت خيوط الملوخية اللزجة تلاحقني حتى كوكب غرينيتش.
العجيب في الأمر هو أنني لم آخذ الملوخية معي هنا، لأنني خفت أن أتّهم بتهريب مواد مجمّدة، فاشتريت ملوخية ناشفة مخزّنة بطريقة عصرية في صندوق جميل مكتوب عليه معلومات الملوخية بالإنجليزية، والآن أدركت أنني ارتكبت خطيئة العقوق عندما اتصل أبي في العيد بإخوتي ولم يتصل بي على الرغم أن عيد ميلادي وقع في أول أيّام عيد الأضحى، وياللغرابة، فعندما عايدته- بالرغم من كل شيء- لم يتحدّث عن الملوخية، وإنما عن البرتقال، الشركة الرعناء التي تزوّده بخدمة الهاتف والتي على ما يبدو لا تعمل جيدًا. يا ترى مالذي أزعجه إلى هذا الحد؟ أنني أخذت الملوخية وأخواتها المخزنات في الفريزر ذي الجوارير الجميلة؟ أم لأنني لم أتركها له ليجرب مذاقها من يدي عروسه التي تصغره ب35 عامًا ولم يمض على وفاة أمي بضعة أشهر؟